الأحاديث النافية للرفع

) الأحاديث النافية للرفع:

إن المتأمل في الأحاديث النافية للرفع يجدها محل اتفاق على ثبوتها -مبدئيا-، بينما وقع الاختلاف في تأويلها، لذلك أكتفي هنا بسردها مع بعض الملاحظات اليسيرة، وهي على قسمين:

القسم الأول: أحاديث ساكتة عن الرفع مطلقا، وهي لحساب النافين؛ لأن الرفع فعل زائد عن الأصل فيحتاج دليلا، ومن هذه الأحاديث:

*- حديث المسيء صلاته:

هذا الحديث لم يذكر فيه رفع اليدين، وقد يحتج البعض بأنه لا دليل فيه على عدم الرفع، لأنه e اقتصر في تعليمه على ذكر الفرائض، وهذا نظير ما قاله العراقي والشوكاني وغيرهما في عدم دلالة الحديث على الإرسال (أي عدم القبض).

والجواب في شأن الرفع هوعين ما أجيب به في شأن الإرسال، حيث يقول الشنقيطي: “[هذا القول] مردود بأن الحديث روي عن رفاعة بن رافع بروايات مذكور فيها المستحبات،…، وقد ذكر في الفتح روايات فيه فيها ما ليس بواجب، كرواية…، فبما ذكر فيه من صفات الصلاة المستحبة، وعدم ذكره للقبض في رواية منها، تعلم صحة الاستدلال به على الإرسال، وبطلان قول من قال: إن النبي e اقتصر فيه على تعليم الفرائض..الخ”([1]).

*- روى مسلم والنسائي عن أبي هريرة: «كان النبي e  إذا قام إلى الصلاة يكبر حين يقوم. ثم يكبر حين يركع  ثم يقول: سمع الله لمن حمده حين يرفع صلبه من الركوع، ثم يقول وهوقائم: ربنا ولك الحمد، ثم يكبر حين يهوي ساجدا، ثم يكبر حين يرفع رأسه، ثم يكبر حين يسجد، ثم يكبر حين يرفع رأسه، ثم يفعل مثل ذلك في  الصلاة كلها حتى يقضيها، ويكبر حين يقوم من المثنى بعد الجلوس. ثم يقول أبوهريرة: إني لأشبهكم صلاة برسول الله e»([2]).

*- وروى مسلم أيضا أن أبا هريرة «كان يصلي لهم فيكبر كلما خفض ورفع فلما انصرف قال: والله إني لأشبهكم صلاة برسول الله e»([3]).

*- روى أبوداود عن سالم البراد قال: «أتينا عقبة بن عمروالأنصاري أبا مسعود فقلنا له: حدثنا عن صلاة رسول الله e، فقام بين أيدينا في المسجد فكبر، فلما ركع وضع يديه على  ركبتيه، وجعل أصابعه أسفل من ذلك، وجافى بين مرفقيه حتى استقر كل شيء منه، ثم قال: سمع الله لمن حمده، فقام حتى استقر كل شيء منه، ثم كبر وسجد ووضع كفيه على الأرض، ثم جافى بين مرفقيه حتى استقر كل شيء منه، ثم رفع رأسه حتى استقر كل شيء منه، ففعل مثل ذلك أيضا، ثم صلى أربع ركعات مثل هذه الركعة فصلى صلاته. ثم قال: هكذا رأينا رسول الله e يصلي»([4]).

*- عن ابن عباس أن النبي e كان إذا قام إلى الصلاة كبر حين يقوم فيها، وإذا ركع كبر، وإذا طأطأ رأسه في السجود كبر وإذا رفع رأسه من السجود كبر، وكان النبي e يفعل هذا كله»([5]).

القسم الثاني: أحاديث ناهية عن الرفع مطلقا، وهي:

*- روى مسلم وغيره (الربيع بن حبيب، أبوداود، أحمد….) عن جابر بن سمرة قال: «خرج علينا رسول الله e فقال: مَا لِي أراكم رافعي أيدِيكم كأنها أذنابُ خَيْلٍ شُمسٍ؟ اسْكُنُوا في الصلاة. قال: ثم خرج علينا فرآنا حِلَقًا فقال: مَا لِي أراكم عِزِين؟ قال: ثم خرج علينا فقال: ألا تَصُفُّون كما تَصُفُّ الملائكة عند ربها؟ فقلنا: يا رسول الله، وكيف تَصُفُّ الملائكة عند ربها؟ قال: يُتِمُّون الصفوفَ الأُوَلَ ويَتراصُّون في الصف»([6])؛ وهذا الحديث يراه الإباضية أصل النهي عن الرفع([7])،  وأنه غير حديث النهي عن الرفع حال التسليم([8])، وقد وافقهم على ذلك -حسب اطلاعنا- القائلون بالنهي عن الرفع من الزيدية([9])، بل حتى المحسوبون على القول بإثبات الرفع مِنهم مَنْ أَيَّد كون الحديثين المذكورين حديثين منفصلين، وأن أحدهما غير الآخر، حيث أشار إليه الزيلعي بقوله:

“ولقائل أن يقول: إنهما حديثان لا يفسر أحدهما بالآخر،…. هذا هوالظاهر، والراوي روى هذا في وقت كما شاهده، وروى الآخر في وقت كما شاهده، وليس في ذلك بعد”([10]).

وقال علي القاري:

“وأجيب عن اعتراض البخاري بأن هذا الرفع كان في التشهد؛ لأن عبيد الله بن القبطية قال: سمعت جابر بن سمرة يقول: (كنا إذا صلينا خلف النبي e… الحديث)، بأن الظاهر أنهما حديثان؛ لأن الذي يرفع يديه حال التسليم لا يقال اسكن في الصلاة، وبأن العبرة للفظ وهوقوله (اسكنوا) لا لسببه وهوالإيماء حال التسليم”([11]). وبمثله قال القادري([12]).

وقد شرح السهارنفوري جواب الزيلعي قائلا:

“وحاصل هذا الجواب أن البخاري فهم أن مؤدى حديث عبيد الله بن القبطية عن جابر بن سمرة ومؤدى حديث تميم بن طرفة الطائي عن جابر بن سمرة واحد، بأن الحديثين محمولان على حال التشهد، فإن الصحابة كانوا يشيرون بأيديهم في التشهد حال السلام، وهذا خلاف الظاهر، نشأ من قلة التدبر فيهما، بل الظاهر أنهما حديثان مختلفا المؤدى والمراد، يدل أحدهما على غير ما يدل عليه الآخر. فأما حديث عبيد الله بن القطبية فإنه محمول على السلام بعد التشهد قطعا، وأما حديث تميم بن طرفة الطائي عن جابر بن سمرة فغير محمول على التشهد، بل هومحمول على رفع اليدين داخل الصلاة عند الرفع والخفض فنهى عنه النبي e وقال: (اُسكنوا في الصلاة)، والدليل عليه أن الذي يرفع حال التسليم لا يقال له: اسكن في الصلاة، ولهذا ما قال رسول الله في حديث رفع الأيدي عند التسليم (اسكنوا في الصلاة). والدليل الثاني على أن الحديثين مختلفان أن في حديث تميم بن طرفة قال: (دخل علينا رسول الله e ونحن رافعوا أيدينا)..(خرج علينا رسول الله e)؛ فهذا يدل على أن هذا الكلام صدر من رسول الله e حين دخل المسجد والناس يصلون صلواتهم. وأما حديث عبيد الله بن القبطية..(كنا إذا صلينا خلف النبي e قلنا: السلام عليكم السلام عليكم)..(كنا إذا صلينا مع رسول الله e قلنا: السلام عليكم ورحمة الله السلام عليكم ورحمة الله)..(كنا إذا صلينا خلف رسول الله e فسلم أحدنا أشار بيده من عن يمينه ومن عن يساره فلما صلى قال: ما بال أحدكم..).. وهذا السياق يدل على أن هذا الكلام صدر من رسول الله e حين كان يصلي بالناس جماعة، فلما فرغ من الصلاة ورآهم رافعي أيديهم عند السلام نهاهم عن ذلك؛ فثبت بهذا مثل ضوء النهار أن حديث تميم بن طرفة كان في وقت، وحديث عبيد الله بن القبطية كان في وقت آخر غير الوقت الأول”([13]).

وقال في موضع آخر: “والذي قالوا في جوابه إنه محمول على الإشارة في السلام فهو لغو وباطل كما تقدم”([14]).

وقال التهانوي: المتمسَّكُ به في الحديث قوله e (اسكنوا في الصلاة)؛ فإنه يدل على وجوب السكون، وأن رفع الأيدي في الصلاة ينافيه. فإن قيل:… قد ورد في الرفع عند السلام خاصة…..؛ قلنا: الظاهر أن حديث تميم بن طرفة وحديث عبد الله بن القبطية حديثان مستقلان؛ لأن رفع اليد عند السلام لا يقال لفاعله اسكن في الصلاة؛ فإنه بهذا الصنع يخرج عن الصلاة، فافهم. وثانيا: أن سياق حديث ابن طرفة يدل على أنه واقعة الصلاة خلف رسول الله e، وسياق حديث ابن القبطية على أنه واقعة الصلاة فرادى، فلا يصح القول باتحادهما، ولو سلم يمكن الاستدلال به أيضا على ترك الرفع عند الركوع وبعده بما قرره الشيخ أنه e أمر بترك الرفع في حال السلام الذي هو داخل في الصلاة من وجه وخارج عنها من وجه كما لا يخفى، فدل على أن ذلك مطلوب فيما هو داخل في الصلاة من جميع الوجوه بالطريق الأولى، كما يدل عليه تعليله e بقوله: (اسكنوا في الصلاة)، أفاده أستاذ الأساتذة…اهـ. فهذا بعمومه يقتضي ترك الرفع عند الركوع وبعده، ولا يقتضي تركه عند الافتتاح؛ فإنه ليس برفع في الصلاة بل خارجا عنها؛ لأن تكبيرة الافتتاح شرط الصلاة عندنا غير داخلة فيها، على أنه مستثنى عن الحديث بالإجماع”([15]).

وقال الشوكاني -في شأن حديث النهي عن الرفع مطلقا-: “..وَرُدَّ هذا الجواب بأنه قَصْرٌ للعامِّ على السّبب وهومذهب مَرجوح كما تَقَرَّر في الأصول وهذا الرَّدُّ مُتّجه لولا أَنَّ الرّفع قد ثبت من فعله e ثبوتا متواترا كما تقدّم، وأقلّ أحوال هذه السُّنّة المتواترة أن تصلح لِجَعْلِها قَرِينَةً لِقَصر ذلك العامِّ على السبب، أو لتخصيص ذلك العموم على تسليم عدم القصر…الخ”([16]).

وقال الكاندهلوي: “وما توهم من أن المراد منه رفع اليدين عند السلام مردود على قائله، ووهم نشأ عن قلة التدبر في سياق الروايتين، ولوسُلِّم وروده على سبب فقصر العام على السبب الخاص مذهب مرجوح”([17]).

وحتى البخاري الذي وصف غير القائلين بقوله (وأما احتجاج من لا يعلم..الخ)؛ فإنه يفهم منه اعتراف ضمني بعموم النهي عن الرفع في الصلاة مطلقا، ابتداء من تكبيرة الإحرام إلى التسليم والفراغ من الصلاة، حيث قال: (ولوكان كما ذهب إليه لكان رفع الأيدي في أول التكبيرة، وأيضا تكبيرات صلاة العيد، منهيا عنها؛ لأنه لم يستثن رفعا دون رفع)([18]).

غير أن جمهور المثبتين للرفع -حسب ما يبدو- يرون أن الحديثين واحد، وأن المطلق منهما يحمل على المقيد، وبالتالي فإن النهي عن الرفع إنما هوحال التسليم فقط([19]).

*- عن أنس قال: قال رسول الله e: «من رفع يديه في التكبير فلا صلاة له». وعن أبي هريرة أن النبي e قال: «من رفع يديه في الصلاة فلا صلاة له».

هذان الحديثان أخرجهما ابن الجوزي (في التحقيق) وقال: وأما حديث أنس ففيه محمد بن عكاشة، قال الدارقطني: كان يضع الحديث. وأما حديث أبي هريرة ففيه مأمون وكان كذابا، قال ابن حبان: كان دجالا من الدجالين([20]).

غير أن السماوي (الزيدي) اعترض عليه قائلا: وزعمهم أنه من الموضوعات هي العلة التي لا يعدمها حمقاؤهم حين لا يجدون للحديث مدفعا، ولا يصح لمتدين أن يجزم بوضع حديث إلا حين أن لا يجد له شاهدا من كتاب الله وسنة رسوله الثابتة عنه، وقد سمعت شواهد الحديث من الكتاب والسنة، فلا جرم يجزم بأن الجازم بوضعه هوالكاذب”([21]).

*- قال أبو بكر حدثنا وكيع عن حماد عن بشر بن حرب أنه سمع ابن عمر رضي الله عنهما يقول: إن رفعكم أيديكم في الصلاة لبدعة، والله ما زاد رسول الله e على هكذا يعني بإصبعه([22]).

قال البوصيري: “قلتُ: بشر بن حرب ضعيف، وله شاهد من حديث ابن مسعود، رواه الترمذي، وقال: لم يثبت”([23]).


([1]) – الشنقيطي: إبرام النقض، ص55-56.

([2]) – صحيح مسلم، كتاب الصلاة، باب إثبات التكبير في كل خفض ورفع في الصلاة، رقم 392. 1/293.  سنن النسائي، كتاب الافتتاح، باب التكبير للركوع رقم 1032، 2/181/م أ.

([3]) – صحيح مسلم، نفس الإحالة السابقة.

([4]) – سنن أبي داود، باب صلاة من لا يقيم صلبه في الركوع والسجود، رقم 863، 1/228/م أ.

([5]) – أبوغانم الخراساني: المدونة الصغرى، 1/ 25.

([6]) – صحيح مسلم، رقم 651. الربيع:….

([7]) – ابن بركة: الجامع، 1/492-493. العوتبي: الضياء، 5/152.

([8]) – قد بحث الشيخ ناصر السابعي هذه القضية بحثا مطولا، على ما تقتضيه الصناعة الحديثية، وتوصل فيه إلى أن الحديث الأول غير الثاني، وبالتالي لا يحمل أحدهما على الآخر.

([9]) – قال السماوي: “حديث جابر بن سمرة…، وهوحجة عند الجميع. والاستدلال به من جهتين،…، وإذا اختلف الحديثان مخرجا وسببا وحكما، والكل من روايات الثقات؛ فالكل منهما صحيح معمول به في بابه، فإحدى الروايتين منعت من رفع الأيدي، وأوجبت السكون في كل الصلاة، والأخرى منعت من الإشارة باليد عند التسليم، وقضت بكفاية الالتفات، وليس ثمة ما يقتضي حمل إحدى الروايتين على الأخرى، إلا مجرد العصبية لمذهب الأسلاف، أعاذنا الله منه. على أن قوله -صلى الله عليه وآله وسلم- (اسكنوا في الصلاة) لا يصح حمله على عدم تحريك الكف حال السلام البتّة؛ لأن تلك الحالة حالة خروج من الصلاة، لا حالة صلاة، وكيف لا وقد أمر فيها بالالتفات إلى صاحبه مع أن الالتفات في الصلاة هلكة، والنهي عنه ثابت في عدة أحاديث. وأيضا قد أخرج مسلم (في صحيحه) من حديث جابر بن سمرة أن النبي -صلى الله عليه وآله وسلم- قال: (لينتهين أقوام يرفعون أبصارهم إلى السماء في الصلاة أو لا ترجع إليهم)؛ فإذا كانت هذه الرواية عنه لا تقتضي أن تكون هي المرادة عند التسليم فكذا تلك، والفرق تحكم وتصريف لأقوال الشارع بحسب الأهواء، واتضح من هذا أن تشنيعهم على من استدل بحديث جابر بن سمرة في المنع من رفع الأيدي في الصلاة، وزعمهم أنه قول من لا معرفة له بالسّنّة منشؤه جهلهم بفقه معاني السّنّة، وإن حفظوا ألفاظها، فرب حامل فقه إلى من هوأفقه منه”. الغطمطم الزخار، 5/33-34.

([10]) – الزيلعي: نصب الراية، 1/393.

([11]) –  القاري: مرقاة المفاتيح شرح مشكاة المصابيح، باب صفة الصلاة، 3/302/ج ت.

([12]) –  القادري: البحر الرائق، 1/563.

([13]) –  السهارنفوري: بذل المجهود، 4/422-423.

([14]) –  السهارنفوري: م س، 4/427.

([15]) –  التهانوي: إعلاء السنن، 3/56.

([16]) – الشوكاني: نيل الأوطار، 2/191/ج ت.

([17]) – الكاندهلوي: أوجز المسالك، 1/89.

([18]) –  البخاري: رفع اليدين، رقم79-80، ص90-92. ومضمون قول البخاري هو بالفعل ما يقول به الإباضية ومن وافقهم بأن الرفع منهي عنه مطلقا في كل الصلوات.

([19]) – انظر -مثلا-؛ البخاري: م س. ابن الجوزي: التحيقيق في أحاديث الخلاف، 1/336/ج ت. النووي: شرح صحيح مسلم، 4/153/ج ت. ابن تيمية: كتب ورسائل ابن تيمية، 22/561/ج ت. ابن الملقن: البدر المنير، 3/485-486/ج ت. الصنعاني: سبل السلام، 1/168/ج ت. المباركفوري: تحفة الأحوذي، 2/99-100/ج ت.

([20]) – ابن الجوزي: التحقيق في أحاديث الخلاف، رقم427، 428، 1/334، 336/ج ت.

([21]) – السماوي: الغطمطم الزخار، 5/36.

([22]) – ابن حجر: المطالب العالية، باب رفع اليدين، رقم517، 4/178/ج ت.

([23]) – البوصيري: إتحاف الخيرة المهرة، 2/186/م ش.

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

19 − eleven =